اسماعيل بن محمد القونوي

178

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

للترجي في المحبوب وللإشفاق في المكروه أي الخوف وهذا أيضا كالترجي لا يتصور في شأنه تعالى فهو للمخاطب وللإشارة إلى هذا قال أي أشفق الخ وإنما أوله بالأمر لأن الإشفاق غير واقع أي أشفق على نفسك بتخفيف « 1 » هذا الغم والحزن أي خف على نفسك وهو الملائم لكلام المص وإنما اختار ذلك لدلالة الإنكار المستفاد من السوق أي إنك تفعل ذلك أي التحسر والتهالك فلا تفعل هكذا قالوا ولو قيل إن الكلام مبني على التشبيه البليغ أو على الاستعارة التمثيلية « 2 » لا يحتاج إلى هذا التمحل فلم يحمل هذا على أحد ما ذكر كما حمل عليه في سورة الكهف ولهذا سكت هناك عن هذا التكلف ولعله سلك صنعة الاحتباك . قوله : ( لئلا يؤمنوا أو خيفة أن لا يؤمنوا ) لئلا يؤمنوا أي في الاستقبال لأن كلمة إن مختص بالاستقبال قيل أي لاستمرارهم على عدم قبول الإيمان وكلمة كان في التنزيل للاستمرار اعتبر بعد النفي فإذا استمر النفي وصيغة الاستقبال لتأكيد معنى الاستمرار ولا يخفى أن التحسر والغم على استمرار عدم إيمانهم باعتبار الحال والمستقبل إذ لا فائدة في الحزن على ما مضى ويؤيد ما ذكرناه قول التهالك فالبخع والتحسر عدم إيمانهم بعد التبليغ وللإشارة إلى ذلك أسقط فعل الكون كما هو عادته في أكثر المواضع ويحمل فعل الكون على زيادة الربط أو لأجل الفاصلة والفاضل المحشي لما حمل كان على استمرار النفي قال فلا غفول من المص فائدة إدخال فعل الكون على ما توهم ابن كمال باشا وهذا كلام جيد نفسك أن تقتلها حسرة لعدم إيمانهم أي حسرة على ما فاتك من إيمان قومك دل على الأمر بالاشفاق اقتضاء كلمة لعل في أمثال هذا المقام الإنكار أي أنك تفعل ذلك فلا تفعل قال الإمام لما بين اللّه تعالى أن الكتاب مبين للأشياء قال بعده لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [ الشعراء : 3 ] منبها على أن الكتاب وإن بلغ في البيان كل غاية فلا مدخل له في إيمانهم لما أنه سبق حكم اللّه بخلافه فلا تبالغ في الحزن والأسف لأنك إن بالغت فيه كنت كمن يقتل نفسه ثم لا ينتفع بذلك أصلا فصبره وعزاه وعرفه أن غمه لا ينفع كما أن مجرد وجود الكتاب ووضوحه لا ينفع . قوله : لئلا يؤمنوا أو خيفة أن لا يؤمنوا وإنما أوله بهذين التأويلين لأن قوله : أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] تعليل لقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [ الشعراء : 3 ] وليس مضمون أن لا يؤمنوا وهو عدم إيمانهم فعلا لفاعل الفعل المعلل الذي هو البخع فوجب أن يكون أن لا يؤمنوا مقدرا باللام كلام التعليل في أكرمتك لإكرامك إياي أو يكون مقدرا بمضاف هو فعل لفاعل الفعل المعلل نحو مخافة أو خيفة أن لا يؤمنوا فيكون منصوبا على أنه مفعول له لوجود شرائط نصبه .

--> ( 1 ) وفي الكشاف يعني أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلام قومك فحينئذ والمعنى خف على نفسك الخ وما ذكرنا في أصل الحاشية منفهم من كلام ابن كمال حيث قال أشفق على نفسك بتخفيف هذا الغم والهم فحينئذ يكون الاشفاق بمعنى الخوف فتأمل . ( 2 ) والمعنى أنت يا محمد في صورة من يرجى منه البخع فحينئذ لا إنكار ولا يحتاج إلى التأويل بالأمر بالاشفاق والنهي عن التحسر والتهالك .